مسألة: ذكر هنا الشرك الخفي ومر علينا الشرك الأصغر والأكبر، فهل هذه أقسام الشرك؟
المسألة فيها قولان:
الأول: أن الشرك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:-
1- الشرك الأكبر. 2- الشرك الأصغر. 3- الشرك الخفي.
وهذا اختيار العلامة محمد بن عبد الوهاب. فيكون على ذلك الشرك الخفي قسيم للشركين.
القول الثاني: أنه ليس قسيمًا إنما قسم، وعليه فالشرك نوعان:
1- شرك أكبر. 2- شرك أصغر.
والأكبر ينقسم إلى شرك أكبر ظاهر، وشرك أكبر خفي. ومثله الأصغر، وهذا هو الراجح.
مسألة: كيف يكون بعض الشرك الأكبر خفي؟
سمي خفيًا باعتبار مكانه؛ لأنه لما كان محله القلب كان خفيًا مثل شرك الرياء الذي يكفر به، ومثل العمل لأجل الدنيا، ويأتي إن شاء الله في الباب بعده ما يُكفر ويخرج من الملة منه.
مسألة: وتعريف الشرك الخفي في هذا الحديث: هو ما يقوم في قلب العابد من طلب المدح بالعمل الصالح.
إرادة الإنسان بعمله الدنيا
وقول الله تعالى: ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[ [هود: 15، 16] الآيتين.
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع».
قال الشارح:
من: تبعيضية.
الشرك: يأتي بمعنى الأكبر ويأتي بمعنى الأصغر، فتكون الألف واللام للعموم.
إرادة الإنسان: الألف واللام للجنس.
بعمله: يراد به هنا العمل الصالح.
المصنف رحمه الله حكم في الترجمة عن حكم عمل الصالحات يريد الدنيا، وجعله من الشرك.
المسألة الأولى: حكم إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا؟
ينقسم إلى أقسام:
القسم الأول: وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يدخل في الإسلام من أجل الدنيا، وهذا شرك أكبر.
النوع الثاني: أن يكون الغالب على أعماله الصالحة إرادة الدنيا، وهذا شرك أكبر.
النوع الثالث: أن يعمل العمل الذي تركه كفر يريد به الدنيا فقط، وهذا شرك أكبر.
القسم الثاني: أن يعمل العمل الصالح المعين يريد به الدنيا، وهذا العمل ليس تركه كفرًا، فهذا شرك أصغر. وكذلك إذا كانت إرادة الدنيا في بعض أعماله وهي يسيرة، فهذا أيضًا من الشرك الأصغر.
القسم الثالث: أن يعمل العمل الدنيوي يريد به الدنيا، كأن يجتهد في عمله الدنيوي يريد المرتبة.
ومثل لو استأجر رجلاً ليعمل له عملاً فأتقن هذا الرجل من أجل زيادة الأجرة، فهذا لا بأس به.
المسألة الثانية: أمثلة للأعمال الصالحة من أجل الدنيا.
مثل الجهاد من أجل الدنيا فقط، والهجرة من أجل الدنيا فقط، والأذان من أجل الراتب فقط، والإمامة من أجل الراتب فقط، وقراءة القرآن من أجل المال فقط، وطبع المصاحف من أجل المال وكسب الربح فقط، وتطبيق الحدود يريد به الأمن فقط، وصلة الرحم يرد به طول العمل وكثرة الرزق فقط، الصلاة من أجل المال فقط، الدراسة الشرعية من أجل المال فقط والتفقيط مقصود هنا.
وعلامة أنه أراد الدنيا فقط في الأمثلة السابقة كما قال r: «إن أُعطي رضي وإن لم يُعط منها سخط».
المسألة الثالثة: أيهما أشد الرياء أم العمل لأجل الدنيا؟
الشارح ابن قاسم رجح أن العمل من أجل الدنيا أعظم لعدة أسباب منها: أن العمل من أجل الدنيا يسري ويمتد، وأما العمل رياء فإنه في عمل دون عمل، ولهذا سُمي طالب الدنيا عبدًا، أما المرائي فما جاءت فيه هذه التسمية.
شرح الآية:
من: هنا شرطية وهي لفظ عام فيدخل المسلم والكافر والرجل والمرأة.
يريد: الأداة هنا بمعنى القصد والطلب.
لكن ممن يريد؟ يختلف الحكم: فإن كان عمل العمل الصالح يريد ثوابه من الله في الدنيا، كمن وصل رحمه ليطول عمره في الدنيا فقط، أو صلى لدفع الأمراض والآفات
عنه فقط، وكمن زكى لينمو ماله فقط، فهذا العمل ليس خالصًا وقد يثاب في الدنيا وقد لا يثاب، والسبب لأنه إعراض عن الآخرة، لكن لا يدخل في حد الشرك لأن العمل لله، لكنه تعجل الأجر في الدنيا، فهذا يكون غير خالصًا ولا يصل إلى حد الشرك.
الثاني: أن يريد من الناس، كمن يقرأ القرآن يريد الأُجرة من الناس فقط، أو جاهد للمغنم فقط، فهذا من الشرك الأصغر.
الحياة الدنيا: أي الثواب.
وزينتها: الواو عاطفة والعطف يقتضي المغايرة، فالزينة غير الحياة الدنيا، فالزينة تشمل المال والنساء والبنين لقوله: ]زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ[ [آل عمران: 14]. الآية.
نوفَّ: جواب الشرط.
والتوفية: بأن يُعافيهم أو يعطيهم مالاً.
فيها هذا مكان التوفية وهو في الدنيا. إلا أن عموم هذه الآية مخصوص بآية الإسراء ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ[ [الإسراء: 18].
فيكون المعنى أنه لا يلزم أن يوف الله في الدنيا كل إنسان؛ بل إن شاء الله وفاه في الدنيا وإن شاء لم يحصل له.
وهم فيها: أي في الدنيا.
أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار. هذا أسلوب حصر.
والحصر هنا بالنفي والإثبات. وهذا حكمه في الآخرة.
وهل لهم نار على وجه الخلود أم لهم نار يُعذبون فيها ثم يخرجون؟
على حسب التقسيم السابق، فإن كان أكبر فليس له إلا النار خالدًا فيها، وإن كان أصغر فليس له إلا المؤاخذة أولاً ثم ينتهي إلى الجنة.
حبط ما صنعوا فيها: أي حبط في الآخرة ما صنعوا في الدنيا.
وباطل: العمل في نفسه باطل فلا يؤجر عليه.
المسألة الرابعة: ما هو أثر إرادة الدنيا على العمل؟
على قسمين: